محمد حسين هيكل
13
حياة محمد ( ص )
تقديم الكتاب محمد عليه الصلاة والسلام بهذا الاسم الكريم تنطق ملايين الشفاه ، وله تهتز ملايين القلوب كل يوم مرّات . وهذه الشفاه والقلوب به تنطق وله تهتزّ منذ أربعمائة وألف سنة إلا خمسين . وبهذا الاسم الكريم ستنطق ملايين الشفاه وتهتزّ ملايين القلوب إلى يوم الدين . فإذا كان الفجر من كل يوم وتبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود ، أهاب المؤذّن بالناس أن الصلاة خير من النوم ، ودعاهم إلى السجود للّه والصلاة على رسوله ، فاستجاب له الألوف والملايين في مختلف أنحاء المعمورة يحيون بالصلاة رحمة اللّه وفضله متجلّيين في مطلع كل نهار . وإذا كانت الظهيرة وزالت الشمس أهاب المؤذّن بالناس لصلاة الظهر ، ثم لصلاة العصر فالمغرب فالعشاء . وفي كل واحدة من هذه الصلوات يذكر المسلمون محمدا عبد اللّه ونبيّه ورسوله في ضراعة وخشية وإنابة ، وهم فيما بين الصلوات الخمس ما يكادون يسمعون اسمه حتى تجف قلوبهم بذكر اللّه وبذكر مصطفاه . كذلك كانوا وكذلك سيكونون حتى يظهر اللّه الدين القيم ويتم نعمته على الناس أجمعين . الإمبراطورية الإسلامية الأولى ولم يك محمد في حاجة إلى زمان طويل ليظهر دينه وينتشر في الخافقين لواؤه ، فقد أكمل اللّه للمسلمين دينهم قبيل وفاته ، ويومئذ وضع هو خطّة انتشار الدين فبعث إلى كسرى وإلى هرقل وإلى غيرهما من الملوك والأمراء كي يسلموا ، ولم تمض خمسون ومائة سنة من بعد ذلك حتى كان علم الإسلام خفاقا من الأندلس في غرب أوروبا إلى الهند وإلى التركستان وإلى الصين في شرق آسيا ، وبذلك وصلت الشام والعراق وأفغانستان ، وقد أسلمت كلها ، ما بين بلاد العرب ومملكة ابن السماء ، كما وصلت مصر وبرقة وتونس والجزائر ومرّاكش ما بين أوروبا وإفريقيّة ومبعث محمد عليه السلام . ومن يؤمئذ إلى يومنا هذا بقي علم الإسلام مرفوفا على هذه الربوع جميعا ، خلا الأندلس التي أغارت النصرانية عليها فعذّبت أهلها وأذاقتهم ألوانا من الشدّة والبأس . ولم يطق أهلها صبرا على الحياة ، فعاد منهم من عاد إلى إفريقيّة ، وردّ الهول والفزع من أرتدّ منهم عن دينه ودين أبيه إلى دين العتاة والمعذّبين . على أن ما خسره الإسلام في الأندلس من غرب أوروبا كان له عنه العوض حين فتح العثمانيون